ابن بسام
394
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
اللّه ما أتاه ، وقصده في وزيره هذا ما أشجاه ؛ وأرسل [ اللّه ] على وزيره ودولته طائفة من فتّاك الجند عرفت مراد الوزراء ووجوه الجند [ 1 ] في إزالة هذا الخائن الحائك ، فدبّروا قتله تدبيرا محكما ، خفي عن حكم مع كثرة عيونه ، وكان الناظم لهذه الجماعة ابن عمّ الخليفة هشام [ 2 ] ، [ واسمه ] أميّة بن عبد العزيز العراقي ، من أبناء الناصر ، فتى شديد التهور والجهالة ، فانتظم في سلك هذه الجماعة ، وسوّلت له نفسه نيل الخلافة ، وأطمعه في ذلك ، سخرية به ، بعض من نظم التدبير من المشيخة ، علما بأنه لا ينفذ في الوثوب على هشام إلّا من ينازعه لبوسه ، ويساهمه قرباه ، فتهيأ أمر القوم في ستر وخفية ، فرصدوا حكم الوزير في طريقه من القصر ، وقاموا عليه فقتلوه وصرعوه ركن الجامع الشرقي في شديد الوحل والقذر ، فكان من تمام محنته ، وطافوا بالرأس [ 3 ] وقد محا الطين رسمه ، فغسلوه / في قصريّة سمّاك بسوق الحوت ، ونصبوه تحت العلّيّة التي [ كان ] أعدّها لدفاعه [ 4 ] ، فصار عبرة [ 5 ] للمتأملين ، وأخذ القوم سلبه ، وغادروه عريانا مكبوبا لوجهه ، مضرّجا بدمائه ، وجرّوا جيفته إلى هوهاة القناة ، فألقوها [ 6 ] وسط الحمأة والأقذار ، ووافى قوم من أعدائه ففلّوه بأسيافهم . ووقعت الهيعة في الناس ، وانقلب البلد أعلاه أسفله ، واجتمع العوامّ وطلّاب الفتنة إلى جند البلد للوقت ، ووافى إليهم [ 7 ] أمية بن عبد العزيز العراقي ، قطب القضيّة ، فالتفّ الجناة به ، وتقدّم بهم إلى القصر لحينه ، وقد وقع الخبر على المخلوع هشام وهو آخذ في بطالته [ مع نسائه ] ، فبادروا الصعود إلى العليّة الجديدة فوق سور القصر ، المعدّة لمثل هذه الحادثة [ 8 ] ، فصار الاعتصام بها سبب حياته ، إذ لم يطق القوم التعلّق بها ، وقد قصدوا نفسه ، وأشرف للحين على من اجتمع تحتها داخل المدينة من الجند والعامة ، وكلّمهم بجميل ، وولّى وزيره الملامة ، فاستقبله قوم من الجناة من أسفل القصر برأس وزيره حكم ، قد هشّم شجاجا ، ينادونه : هذا رأس وزيرك الذي أبليت به الأمّة ، ويغلظون له القول وهو يستلطفهم ، وهم يسبّونه ، فتوصّل الناس
--> [ 1 ] ط د س والبيان : الناس . [ 2 ] ط د س : ابن عم لهشام . [ 3 ] ط د س : برأسه . [ 4 ] ب م : التي أعدت لرفاعها . [ 5 ] ط د س والبيان : عظة . [ 6 ] ب م : فألحقوها . [ 7 ] ط د س : ووافى مع . [ 8 ] زاد في النسخ هنا : مع نسائه .